أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
195
العقد الفريد
بمعرفتكم بها وبإخبار اللّه عنها ، واعلموا أن قوما من عباد اللّه أدركتهم عصمة اللّه فحذروا مصارعها وجانبوا خدائعها ، وآثروا طاعة اللّه فيها وأدركوا الجنة بما يتركون منها . خطبة عبد اللّه بن الزبير حين قدم بفتح أفريقية قدم عبد اللّه بن الزبير على عثمان بن عفان بفتح إفريقية ، فأخبره مشافهة وقص عليه كيف كانت الوقعة ، فأعجب عثمان ما سمع منه ، فقال له : يا بنيّ ، أتقوم بمثل هذا الكلام على الناس ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، أنا أهيب لك مني لهم ! فقام عثمان في الناس خطيبا ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إن اللّه قد فتح عليكم إفريقية ، وهذا عبد اللّه بن الزبير يخبركم خبرها إن شاء اللّه ، وكان عبد اللّه بن الزبير إلى جانب المنبر ، فقام خطيبا ، وكان أول من خطب إلى جانب المنبر ، فقال : الحمد للّه الذي ألّف بين قلوبنا وجعلنا متحابين بعد البغضة ، الذي لا تجحد نعماؤه ، ولا يزول ملكه ؛ له الحمد كما حمد نفسه ، وكما هو أهله ، انتخب محمدا صلّى اللّه عليه وسلم فاختاره بعلمه ، وائتمنه على وحيه ، واختار له من الناس أعوانا قذف في قلوبهم تصديقه ومحبّته ، فآمنوا به وعزّزوه ووقّروه وجاهدوا في اللّه حق جهاده ، فاستشهد في اللّه منهم من استشهد على المنهاج الواضح ، والبيع الرابح ، وبقي منهم من بقي ، لا تأخذهم في اللّه لومة لائم . أيها الناس ، رحمكم اللّه ! إنا خرجنا للوجه الذي علمتم ، فكنا مع وال حافظ ، حفظ وصية أمير المؤمنين ، كان يسير بنا الأبردين « 1 » ، ويخفض « 2 » بنا في الظهائر ، ويتخذ الليل جملا ، يعجل الرّحلة من المنزل الجدب ، ويطيل اللبث في المنزل الخصب ، فلم نزل على أحسن حالة نعرفها من ربنا ، حتى انتهينا إلى إفريقية ، فنزلنا منها حيث يسمعون صهيل الخيل ، ورغاء الإبل ، وقعقعة السلاح فأقمنا أياما نجمّ كراعنا « 3 » !
--> ( 1 ) الأبردين : الغداة والعشي . ( 2 ) خفض بالمكان : أقام . ( 3 ) الكراع : جماعة الخيل .